محمد طاهر الكردي
476
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ورد عليه الخليفة يقول : « اخفض عليك يا بدرون ، فمحلك مني معلوم ، وسل به حوائجك نجبك إليها ، ما خلا معارضة القاضي في شيء من أحكامه . فإن هذا باب قد أغلقناه ، فلا نجيب إليه أحدا من أبنائنا ولا من إخواننا ولا من أبناء عمنا فضلا عن غيرهم . والقاضي أدرى بما فعل ، ولست أحيد عن الشعار الذي اتخذه والدي ، والمبدأ الذي قامت عليه دولته ، واطمأن له الشعب ، ومنح الاطمئنان والثقة إلى النفوس » ومسح بدرون عينيه وانصرف . انتهى من الكتاب المذكور . سيرة القاضي محمد بن السليم رحمه اللّه تعالى في فجر اليوم الخامس عشر من شعبان عام ثلاثمائة وخمسة وخمسين خرج أمير المؤمنين ، الحكم المنتصر باللّه ، ملك الأندلس إلى ديوانه لتصريف الشؤون اليومية ، ودخل عليه والي قرطبة لتلاوة تقريره الليلي . وجاء في التقرير أن قاضي المملكة منذر بن سعيد في حالة احتضار . وارتبك الأمير ، واستوى واقفا ، وجعل يضرع إلى اللّه أن يوفقه إلى اختيار خلف يطمئن إليه ، في إقرار الحق ، وإقامة العدل . ثم أمر باستدعاء شيوخ الشريعة ورجال العلم . ولما اكتمل الجمع أعلمهم بأنه دعاهم ليأخذ رأيهم في اختيار من يخلف منذر بن سعيد . وفيما هم يعددون خصاله ، ويذكرون مجالسه وأخباره ، إذ ورد الإعلام بموته فاتفق المجتمعون على انتخاب محمد بن السليم لما هو معروف به من الفضل والعلم والفهم ، وحسن النظر في الأمور وجميل الخلق . فأمر الأمير بتحرير عهد الولاية لمحمد بن إسحاق بن السليم ، ليتلى في جامع قرطبة ، وينهى للقاضي المنتخب فكتب العهد على الصورة الآتية : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا كتاب أمر به أمير المؤمنين ، الحكم المنتصر باللّه ، محمد بن إسحاق بن السليم ، ولاه خطة القضاء واختاره للحكم بين جميع المسلمين . . » إلى آخره . ولقد ذكر نص هذا الكتاب في أوائل المبحث فراجعه إن شئت . ثم جاء في الكتاب المذكور بعد نص الكتاب بولاية القضاء ، ما نصه : ليس من السهل أن يملأ القاضي الجديد الفراغ العظيم ، الذي تركه سلفه المنذر بن سعيد ، فالشعب القرطبي قد تعود مفاجآت عجيبة في المذاهب الحكمية وأسانيد